ابن العربي

638

أحكام القرآن

من أجلى ، فطعامك علىّ حرام إن ذقته . فقالت هي : وهو علىّ حرام إن لم تذقه . وقال الضيف : هو علىّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه . فلما رأى ذلك ابن رواحة قال : قرّبى طعامك ، كلوا بسم اللّه ، وغدا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبره . فقال صلى اللّه عليه وسلم : أحسنت . ونزلت الآية : فكلوا مما رزقكم اللّه . قال ابن عباس في حديثه : فقالوا : يا رسول اللّه ، كيف نصنع بأيماننا ، فنزلت « 1 » : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ . . . الآية . الثالث - روى التّرمذى عن ابن عباس أنّ رجلا جاء إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : يا رسول اللّه ؛ إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوة ، فحرمت علىّ اللحم ، فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ . . . إلى مُؤْمِنُونَ . قال الترمذي : صحيحة الإرسال . المسألة الثانية - ظنّ أصحاب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنّ المطلوب منهم طريق من قبلهم من رفض الطعام والشراب والنساء ، وقد قال اللّه سبحانه « 2 » : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « 3 » ؛ فكانت شريعة من قبلنا بالرهبانية وشريعتنا بالمسحة الحنيفية . وفي الصحيح أنّ عثمان بن مظعون نهاه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عن التبتل « 4 » ، ولو أذن له لاختصينا . والذي يوجب في ذلك العلم ، ويقطع العذر ، ويوضّح الأمر - أنّ اللّه سبحانه قال لنبيه « 5 » : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ؛ فبيّن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم التبتل بفعله ؛ وشرح أنه امتثال الأمر ، واجتناب النّهى ، وليس بترك المباحات ، وكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يأكل اللّحم إذا وجده ، ويلبس الثياب تبتاع بعشرين جملا ، ويكثر من الوطء ، ويصبر إذا عدم ذلك ، ومن رغب عن سنّته لسنة عيسى فليس منه .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 225 ، وسورة المائدة ، آية 89 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية 48 . ( 3 ) الشرعة ، والشريعة : الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة والمنهاج : الطريق المستمر . وقيل : شرعة ومنهاجا : سنة وسبيلا . ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها ، والإنجيل لأهله ، والقرآن لأهله ( القرطبي : 6 - 211 ) . ( 4 ) التبتل : الانقطاع عن النساء ، وترك النكاح . ( 5 ) سورة المزمل ، آية 8